ابن يعقوب المغربي

403

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

تفريق من جهة المعنى وأن التفريق اصطلاحي رد عليه بأن الاصطلاح التحكمي لا عبرة به وبأن الترشيح حقيقة أو مجاز حقيقي فلا صورة وهمية فيه اتفاقا إذ من يجوز في الترشيح المجاز كما تقدم إنما يجعله مما أطلق فيه اللفظ على ما تحقق حسا أو عقلا ، ويجعل إفادة ذلك اللفظ للترشيح باعتبار أصله فإذا تحقق أن ما اعتبر في التخييل يصح في مسمى الترشيح فما تقدم مما اتفق على أنه ترشيح وهو قوله تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ " 1 " لقائل أن يجعله من باب التخييل بأن يجعل الربح والتجارة تخييلا فيقول لما استعير الاشتراء لاختيار الضلالة على الهدى أثبت للمشبه وهو اختيار الضلالة على الهدى صورة وهمية هي صورة الربح والتجارة ، اللذين هما من لوازم المشبه به الذي هو الاشتراء الحقيقي فأطلق لفظ اللازم على الصورة الوهمية المثبتة للمشبه ، فيكون في الربح والتجارة تخييلية على حد ما قيل في الأظفار مع المنية ، إذ لا مانع من ذلك فتستوي محال الترشيح والتخييل والناس على اختلافهما . وقد تقدم أن التعبير عن المشبه بلفظه في الترشيح وعنه بلفظ المشبه به في التخييل لا يمنع من اعتبار الصورة الوهمية فإن قيل الترشيح ليس إلا حقيقة أو مجازا حقيقيا والتخييل لا يمكن فيه إذا أريد أن يكون مجازا لغويا إلا باعتبار الصورة الوهمية فافترقا ، قلت : ما تعين فيه المجاز الحقيقي كما في الآية إذ نفى الربح في التجارة استعير لنفي الانتفاع بالأعمال قطعا كما هو المتبادر وعلى تقدير تسليمه إنما يفيد أن بعض المحال يصلح للترشيح دون التخييل وكل ما صلح فيه التخييل صلح فيه الترشيح والمطلوب المباينة لا العموم بالإطلاق . على أنا لا نسلم تعيين بعض المحال للتجوز الحقيقي بل نقول : لا مانع من أن نعتبر الصورة الوهمية في الآية كما قررنا ولا نراعي استعارة اللفظ لمعنى حقيقي وأي ضرر فيه ؛ فتحصل مما ذكر أن تفسير السكاكي للتخييلية يفضي إلى استوائها والترشيح والناس على اختلافهما ، وإن وجه الاستواء أن الصورة الوهمية يصح اعتبارها في الاستعارة التصريحية كما صح اعتبارها في المكنى عنها إذ التعبير بلفظ المشبه لا يمنع من اعتبارها كما اعتبرت في التعبير عن المشبه بلفظ المشبه به وقد أجيب بأنا عند التعبير عن المشبه بلفظ وقرانه بما هو من لوازم المشبه به وكان ذلك اللازم منافيا للمشبه ومنافرا للفظه وهو صورة التخييل جعلنا

--> ( 1 ) البقرة : 16 .